• ×

محكوم عليه بجريمة تجسس ..قصة "أيمن المأمون" من الألف الي الياء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السودانية أمير علي الكعيك
في الخامس من يونيو الماضي، صدر حكم من القضاء الإماراتي ضد رجل الأعمال السوداني أيمن المأمون بالسجن المؤبد بعد اتهامه بتقديم رشوة لموظفين إماراتيين لكشف حسابات مسؤولين سودانيين.
وأصدرت محكمة استئناف أبوظبي الاتحادية حكمها بالسجن المؤبد لرجل الأعمال السوداني والإبعاد عن البلاد عقب تنفيذ مدة الحكم، وإلزامه بتحمل المصاريف القضائية كافة.
وكانت نيابة أمن الدولة وجهت لمجموعة مكونة من (5) أشخاص من الجنسية العربية، وإماراتي؛ تهمة التخابر عن طريق تسليم معلومات حساسة، بعد القاء القبض عليهم في السابع والعشرين من سبتمبر 2017م، وشغلت قضية أيمن المأمون الرأي العام المحلي، وربطتها جهات بأنها صراع يتصل بعلاقة السودان مع قطر، وقالت إن رجل الأعمال الشاب أُستخدم ككبش فداء حتى تقطع الخرطوم حبل الوصل بينها وبين الدوحة..(الوطن) لملمت القضية من أطرافها سعياً وراء الحقيقة الغائبة.

مولده ونشاطاته :
رأت عينا (أيمن)، النور في دولة الإمارات عام 1979م، بعد عام من زواج والده من أمه، وتشاء الأقدار أن يقضي بها فترة عقوبة ربما لم يكن يتوقعها؛ ابن ضابط الجيش المأمون حسن محجوب؛ الذي تقاعد عن الخدمة العسكرية برتبة لواء، قبل أن يتوفى في العام 2001م.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها (الوطن) من أقارب أيمن، فإن الفتي منذ نعومة أظافره كان يتسم بالشجاعة، ولا يخشى في الحق لومة لائم، ونشأ في منزل أسرته بحي الميرغنية في الخرطوم بحري، وأكمل مراحله التعليمية بنجاح، لجهة أنه يتصف بالذكاء.
وشارك (أيمن) في العمليات العسكرية بمناطق الحرب أثناء فترة دراسته الجامعية، إلى أن تخرج في كلية علوم التقانة عام 2002م، وتخصص في علوم الكمبيوتر، واللافت في الأمر أنه كان يزاول عملاً تجارياً أثناء فترة دراسته، وقلّ أن يتواجد في حرم الجامعة، ولكنه يحصل على درجات عليا بفضل اهتمامه بتحصيله الأكاديمي.
وتزوج (أيمن) بعد عام من تخرجه، من زميلته التي يسبقها بسنة، بعد أن تعرّف عليها أثناء شرحه للزملاء لبعض المواد، ويبدو أن قصة حب قصيرة جمعتهما؛ أثمرت أربعة من الأبناء (ولدان وبنتان)، وهو زواج - وفقاً لأقارب أيمن - ليست له علاقة بالسياسة كما يزعم البعض.
بزوغ نجمه :
بزغ نجم أيمن المأمون في السنوات الأخيرة، بفضل إنشاء شركة للاستيراد والتصدير مع رجل الأعمال حازم مصطفى، وتخصصا في استيراد الخيش من بنغلاديش، وتصدير الذرة، الشيء الذي أدرّ عليهما أموالاً طائلة، إلا أن ابن المأمون ظل بعيداً عن الأضواء، ولم يُعرف عنه حبه وشغفه للشهرة بحسب المقربين منه.
ولم يسلم أيمن من الشائعات، ولاحقته إحداها بأنه كان يقود عربة (أمجاد) ويعمل بها، إلا أن المهندس (النور بابكر)، وهو أحد أصدقائه نفى ذلك، وقال إن العربة كانت تخص والدته؛ التي تعمل أستاذة بجامعة أم درمان الإسلامية، وهي بدرجة الأستاذية (بروفسيور)، وأشار إلى شراء (الأمجاد) عبر الأقساط؛ والتي مُنحت لكل الموظفين في الجامعة، وأضاف "كان يقود العربة أحد الموظفين في الجامعة بعد نهاية الدوام اليومي".
ويرى العالمون ببواطن الأمور أن أزمة الوقود التي تضرب البلاد منذ أشهر، برزت بعد القبض على أيمن المأمون، ومحاكمته في الإمارات، لجهة أن الرجل كان يستورد كميات ضخمة من المواد البترولية بفضل علاقاته الواسعة.
وامتدت استثمارات (أيمن) إلى إنشاء كلية المدائن؛ التي أسسها مع عبد الله حسن أحمد البشير، شقيق رئيس الجمهورية.
ودافعت إحدى المنتميات لأسرة (أيمن) عن ثروته، وقالت لـ(الوطن)، بعد أن طلبت عدم ذكر اسمها، إنه حصل عليها بجهده، وليس بمساعدة النظام الحاكم، كما يدعي البعض، إذ إنه كان يعمل منذ دراسته الجامعية، ولا يداوم على الحضور للجامعة يومياً، رغم تميزه الأكاديمي، وأشارت إلى أن ابن المأمون كان يعمل على شراء العطاءات الصغيرة، وطوّر أعماله بالاتجاه للاستيراد والتصدير.
شخصيات مقربة :
من بين الشخصيات المقربة لأيمن المأمون في السنوات الأخيرة، المهندس غزالي صلاح النور، وتوثقت علاقتهما أخيراً، بعد أن افترقا لسنوات.
ويقول (غزالي)؛ الذي استنطقته (الوطن)، إن علاقته برجل الأعمال أيمن، بدأت منذ سنوات (نهاية 2001م)، عندما كان طالباً في الجامعة، في حين يعمل غزالي مهندساً مقيماً في شركة النصر للإسكان والتشييد، بعد تخرجه في العام 1999م، ونشأت العلاقة بينهما أثناء تنفيذ منزل أسرة اللواء الراحل المأمون حسن محجوب؛ الذي يقع بالقرب من مستشفى البراحة في ضاحية شمبات ببحري، ويقول عنها غزالي : "إنها كانت صحبة في الله، ولا توجد فيها شائبة"، وهي ما يعتز بها ابن إحدى قرى ولاية الجزيرة (شرق مدني)، والتي تخللتها بحسب قوله مشاركة أيمن له في كل المناسبات بقريته متى ما سنحت الفرصة، إلا أن العلاقة انقطعت بسبب سفر المهندس غزالي إلى الولايات والابتعاد عن العاصمة، وكانت الاتصالات بينهما متباعدة من حين لآخر، بعد اكتمال منزل أسرة أيمن في العام 2003م، ولم يلتقيا إلا في العام 2012م، بعدما طلب رجل الأعمال من صديقه المهندس تشييد منزل له في كافوري.
كرم حاتمي :
اشتهر (أيمن) بحسب حديث غزالي بمساعدة الفقراء والمحتاجين، وذاعت شهرته وسط العمال بأنه "حلال مشاكل، وأخ أخوان"، إذ يتدافع الناس إلى مكتبه في شارع البلدية لطلب المساعدة، وقال "إن ما يفعله أيمن لا يقوم به شخص عادي". وبدا على المهندس غزالي الاندهاش والإعجاب في آن واحد، من تعامل (أيمن) مع العمال والمحتاجين؛ الذين يجود عليهم بماله، ولا يتردد في مساعدتهم، حتى راجت مقولة وسط معارفه "أيمن ده يوم بكتل له زول محتاج"، لجهة أنه يفاجأ المحتاجين بأموال مُضاعفة لما يطلبونه. ويتذكر "غزالي" أن عاملاً طلب المساعدة في تشييد منزل بقريته؛ بلغت كلفته وقتها (70) ألف جنيه، وتكفل (أيمن) بنصف المبلغ على الفور، وأكمل المتبقي بعد فترة قصيرة، إلى جانب مساعدة الكثير من العمال في اكمال مراسم زواجهم، وهو ما دفعهم لتسمية "موالديهم" تيمناً به، وأضاف "إذا لم تكن من الخيرين؛ فلن يطلق الناس اسمك على أطفالهم"، وتابع "أيمن لا يتردد في حل مشاكل العمال الأسرية حتى في ساعات متأخرة من الليل، وكان حريصاً على مرافقة المرضى منهم إلى المستشفيات".
ولم ينس غزالي ما قدمه أيمن لقرية العبيدية الواقعة شمال بربر بولاية نهر النيل، والتي ينتمي إليها والده؛ من مساعدات في تشييد المدارس، وامتدت إلى القرى المجاورة حتي بلغت (15) مدرسة، ومكتباً للتعليم، إلى جانب إنشاء محطة مياه العبيدية، وتوفير مُعدية لموسم الخريف، وأضاف "كان يفعل ذلك من غير منٍ أو أذى، وعندما طلب معتمد بربر مقابلته لشكره لم يستجب أيمن".
ولم يتوقف المهندس غزالي عن سرد القصص عن صديقه، رغم أنه كان صائماً، ولم يفصله عن آذان المغرب سوى دقائق قليلة، وقال إن أحد أصحاب والد أيمن من المتقاعدين في الجيش كان بحاجة إلى مبلغ (5) آلاف جنيه، بعد طرد ابنته من جامعة الخرطوم، بسبب عدم سداد الرسوم، وقال إن ابن المأمون طلب منه صرف شيك من البنك الزراعي، وألجمت المفاجأة الرجل بعد استلامه مبلغ (20) ألف جنيه، وهو يتعشم في (5) آلاف جنيه، فلم يتمالك نفسه و"خنقته العبرة"، وقال "سأسأل الله دائماً أن يدخل أيمن الجنة". وقال "غزالي" إنه لحظ أن ابن المأمون يتردد على منازل في حي الشعبية ببحري، وأم درمان، ويحمل في معيته أموالاً يقوم بتوزيعها على تلك الأسر، وسمع أحد الضباط يقول عن أيمن "لم أجد أكرم من هذا الرجل". وأنهى المهندس "غزالي"، حديثه بأن ما جرى لأيمن المأمون "ابتلاء رباني ليس إلا"، وسأل ربه بأن "يفك كربته"؛ حتى يعود إلى أسرته وأهله سالماً، ويستمر في الأعمال الخيرية التي يقدمها للمحتاجين.
كبش فداء :
في وقت سابق تداولت الأسافير والمواقع الإلكترونية قضية رجل الأعمال أيمن المأمون بمعلومات غير مؤكدة، إذ أشارت مصادر إلى أن اعتقاله ومحاكمته لها صلة وثيقة بصراع مراكز القوى في الخرطوم، ورجحت مصادر أن أيمن المأمون قد يذهب ككبش فداء بعد أن تم توظيفه في الصراع.
ويعتقد البعض أن اعتقال ومحاكمة ابن المأمون تم بإيعاز من شخصية سودانية كانت نافذة، بعد أن تمكن الأول من الاطلاع على حسابات مصرفية؛ قالت المصادر إنها تخص تلك الشخصية، تبلغ قيمتها (107) مليون دولار.
وقالت مصادر أخرى لـ(الوطن)، إن ما حدث لأيمن المأمون يأتي من باب الكيد والحقد والظلم، وأضافت (إن عدالة السماء ستنصفه عما قريب).
معاناة أسرته :
تعاني أسرة أيمن المأمون من غياب عائلها، ولم تجد سبيلاً سوى الصبر والدعاء له، بحسب ما أوردت إحدى قريباته؛ والتي قالت إن ابنه الأكبر على علم بما حدث، ولكنه يتعرض لمضايقات من زملائه في المدرسة؛ يقابلها بالتأكيد على براءة والده، بينما لا يعلم أبناؤه الآخرين أين والدهم، وترى الآنسة التي فضلت حجب اسمها، أن ما حدث قضاءً وقدراً، مع تأكيدها على أن الحقيقة ستكون ماثلة أمام الناس قريباً، وأضافت "الموضوع بالنسبة لي تمثيلية، والقضية ستنتهي بأي شكل كان"، وذكرت أن أكثر ما يحزن أسرته؛ هو عدم التواصل معه، إذ تُمنع زيارته، ونوهت إلى أن محامي أيمن (إماراتي الجنسية) دفع باستئناف للمحكمة من أجل تبرئة موكله، وأشارت إلى أن أشقاء أيمن يتابعون أعماله في الوقت الراهن، ويقومون بتسييرها، ومن بينها أعمال كلية المدائن التي يديرها أحد اخوته حالياً.
وأبدت تلك الآنسة استغرابها من التهمة التي حُوكم بها أيمن المأمون، واستدلت برفضه تحرك السيارة المخصصة لأسرته من منزله عند انتهاء فترة ترخيصها، وهو يؤكد حسب قولها عدم اختراقه للقانون، وقطع الإيصالات المرورية بديلاً للمخالفة.
وتقول سيدة أخرى من قريباته طلبت حجب اسمها، إن أيمن كان يتفقد أفراد عائلته، ويقوم بمساعدتهم عند الحاجة، وكان يتميز بإحساسه بالآخرين، ويسهر مع المرضى من أقاربه، رغم مشاغله العملية، وأضافت "هو حنين، وفي حالة دعم معنوي للآخرين".
وتقاطرت دموعها عند سؤال لـ(الوطن) لها حول شعورها بعد اعلان محاكمته، وتوقفت عن الحديث لدقائق، قبل أن تنفي صلة أيمن بالتهم المُوجهة إليه، وقالت "أنا أعرفه جيداً، فهو لا يمكن أن يعمل ذلك، رغم شجاعته".
جهود مكثفة :
بحسب المعلومات التي تلقتها (الوطن)، فإن عائلة أيمن المأمون تبذل جهوداً مكثفة من أجل اطلاق سراح ابنها، بعد إن التأمت عدة اجتماعات ضمت أقاربه وأعيان قبيلته ومعارفه؛ صوّبت فيها نشاطاتها تجاه الحكومة السودانية لعلاقاتها مع نظام الحكم في الإمارات، ووعودها بحل قضية ابن المأمون في أسرع وقت، وربما تسفر الأيام المقبلة عن أخبار سارة تعيد البسمة لأسرته وكل أهله.
الجوانب القانونية :
عندما استفسرت (الوطن) المحامي وجدي صالح، عن قضية رجل الأعمال أيمن المأمون، وجوانبها القانونية من حيث العقوبة ومقارنتها بالقانون السوداني، نفى علمه بتفاصيلها، ولكنه قال إن عقوبة التجسس في السودان قد تصل للإعدام أو السجن المؤبد أو أقل من ذلك، وأشار إلى أن مسألة "الحسابات المصرفية" لم تعد سرية، لجهة أن الكثير من الدول بإمكانها معرفة حسابات أي شخص أو جهة، وهو ما تفعله عادة الولايات المتحدة الأمريكية.
الوطن


بواسطة : admin
 0  0  1361
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 05:12 صباحًا الجمعة 14 ديسمبر 2018.