• ×

ماذا يعني سحب قوات حميدتي من حرب اليمن؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عزمي عبد الرازق كاتب وصحفي سوداني، رئيس القسم السياسي بفضائية أم درمان

1/11/2019

حميدتي أبلغ لاجتماع الثلاثي المنعقد ليل الإثنين بين مجلسي السيادة، وحكومة قوى الحرية والتغيير، “أن الانسحاب التدريجي لقواته من اليمن قد بدأ فعلياً”



فاجأ قائد قوات الدعم السريع والرجل الثاني في مجلس السيادة الانتقالي الفريق محمد حمدان حميدتي الجميع بقراره القاضي بسحب نحو عشرة ألاف من قواته في اليمن، من دون أن يقطع بأنه لن يرسل قوات بديلة إلى هنالك، كما كان يحدث تلقائياً، وهى المرة الأولى تقريباً التي تتناقص فيها قوات حميدتي بهذا الشكل الكبير في حرب لا أحد يعرف من المنتصر فيها، وكيف ستكون نهايتها؟

قرار حميدتي جاء برداً وسلاماً على قلوب السودانيين، الذين أدركوا عبثية تلك الحرب، التي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، أكثر من كونها أطبقت عليهم نعوت الارتزاق ومضاعفة معاناة شعب شقيق، بصورة مسيئة لبلاد النيلين، ناهيك عن وخز الضمير الوطني.
العد التنازلي لإنهاء الاحتراب

وكما يبدو فإن سحب عشرة آلاف مقاتل من حرب اليمن ضمن 30 ألفا، وهى القوة الكاملة للدعم السريع هناك يعني الانتقال إلى مرحلة أخرى، أو بداية العد التنازلي لإنهاء حالة الاحتراب، وسحب كل القوات السودانية المشاركة التي لم يعلن عنها بصورة دقيقة، لكنها ظلت في تزايد مضطرد خلال السنوات الأخيرة، إن لم تكن هى القوة الرئيسية على الميدان، من دون أن تتضح طبيعة المهام التي تقوم بها، إذ إنها ظلت نهباً للمخاطر، أو كحائط اللعنة في امتصاص الاتهامات وتقارير الانتهاكات الانسانية بدلاً من صاحب قرار المشاركة، سواء كان على رأس النظام السوداني السابق، أو داخل مركز قيادة عاصفة الحزم.

وفقاً لصحيفة (التيار) التي تصدر في الخرطوم فإن حميدتي أبلغ الاجتماع الثلاثي المنعقد ليل الاثنين بين مجلسي السيادة، وحكومة قوى الحرية والتغيير، “أن الانسحاب التدريجي لقواته من اليمن قد بدأ فعلياً” من دون أن يكشف مزيداً من المعلومات، حول هذا القرار المفاجئ، والذي يتزامن مع ضغوطات دولية، وداخلية أيضاً، من خلال دعوات الشارع السوداني والقوى السياسية، آخرها بيان الحزب الشيوعي والمؤتمر الشعبي بسحب كافة القوات السودانية من اليمن، كخطوة أولى، والمساهمة بصورة إيجابية في عملية السلام وإعادة إصلاح الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، إلى جانب المأساة الانسانية .
القرار المنتظر

وما يجعل هذا القرار مباغتاً، هو أن تأكيدات من قيادة الجيش السوداني لم تصدر بعد بخصوص سحب القوات السودانية من حرب اليمن في الوقت الراهن، وكانت معظم التصريحات تشير إلى أن تلك القوات باقية إلى أن يصدر قرار جماعي بإنهاء المهمة، حيث أكد رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان بشكل واضح أن “هذا الأمر يعتمد على شركائنا في التحالف، وهذه الشراكة لا تزال قائمة ومستمرة” وهذا يعني على أقل تقدير أن حميدتي اتخذ القرار بصورة منفردة، أو نتيجة لتقديرات خاصة غالباً .
ثمن المشاركة

ابتداء وقبل كل شيء، لم يصادق البرلمان السوداني على تلك المشاركة، ولم يصدر قرار من مجلس الوزراء في حكم التأييد، وإنما كان قرارا فردياً من قبل الرئيس المعزول عمر البشير، لم يعلن وقته عن دوافعه الغامضة، أو حتى المصلحة المترتبة على الزج بالجيش في حقل ألغام، يصعب عبوره من دون خسائر، بل إن ثمن المشاركة كان صفرياً بالمرة، إذ إنه لم تسهم دول التحالف بقيادة السعودية والإمارات في إنقاذ الاقتصاد السوداني، ولا دعم البلاد التي خرجت مدماة من الحصار الأمريكي الخانق، بدليل النهاية المأساوية لنظام البشير، الذي يقضي اليوم معظم قادته سحابة يومهم في سجن كوبر، ويبدو مصيرهم غامضاً، كالرهائن، من دون حتى تقديمهم إلى محاكمة عادلة، بل إن البشير الذي يحمل أكبر رتبة في الجيش السوداني، يحاكم حالياً بأموال منحها له ولي العهد السعودي، رغم الدور السعودي في إسقاطه، وهى مفارقة مدهشة على كل حال !

من المهم الإشارة إلى أنه لم يسبق أن اتسعت الهوة بين الحكومة السودانية السابقة والحالية إزاء حرب اليمن، والتي يبدو أنها مرفوضة شعبيًا بالفعل، مقبولة رسميًا بدرجة غير مبررة ولا مفهومة إلى حد كبير.
اعلان
مكافحة الهجرة إلى أوربا

بالعودة إلى شخصية قائد قوات الدعم السريع، والرجل الأقوى حالياً في السودان، لأنه يمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية معاً، فهو ربما يفكر في خطوة جديدة أملتها عليها دوافع هذا القرار، خصوصاً بعد الشرخ المهول داخل ما يسمى بالتحالف العربي بين الإمارات والسعودية حول الشأن اليمني، إلى درجة المواجهات الميدانية، كذلك فإن الاتحاد الأوربي تربطه صلات قوية بحميدتي وقواته التي تشارك أيضاً في مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر لصالح القارة العجوز، مقابل الدعم المالي والسياسي، على اعتبار أن السودان منطقة عبور المهاجرين الأفارقة، ما يعني أن الفريق حميدتي لا يريد أن يغامر بكل سمعته الخارجية، بل أن يفكر بشل جاد في خوض غمار الانتخابات على رئاسة السودان، بعد ثلاثة سنوات، أو أقل من ذلك بكثير، وفقاً لمطالب الانتخابات المبكرة .

أخيراً فإن قوات الدعم السريع التي اختارت المشاركة في تغيير نظام البشير على نحوٍ مفاجئ، ورفض قائدها فض اعتصام القيادة بعد اندلاع احتجاجات سبتمبر/ أيلول 2018 ما جعل حظوظ حميدتي تتضاعف بصورة مذهلة، حتى أنه اعتلى موقع الرجل الثاني في حكومة ما بعد الثورة، مستفيداً مما يسميه البعض حالة السيولة العامة وعدم الاستقرار الذي يجعل من القوة العسكرية، في بلد غير مستقر مثل السودان، العامل الأكثر ترجيحًا في لعبة الصعود إلى سُدة القيادة.
اتهامات فض الاعتصام

كما أن قوات الدعم السريع تقوم بأدوارٍ خدمية منفصلة في الشارع السوداني، مثل توفير سيارات النقل مجاناً للمارة، ورعاية القوفل الصحية وتشيد المدارس ودعم حتى الخزينة العامة، أي باختصار تقوم بمهام الحكومة العاجزة عن تسيير شئونها، لكن الدعم السريع مع ذلك، يواجه اتهمات بالمشاركة في فض الاعتصام الأخير أمام قيادة الجيش والذي خلف مئات الضحايا، وهو اتهام نفاه حميدتي أكثر من مرة، وراهن على أن لجان التحقيق المستقلة سوف تبرئ قواته من قتل المعتصمين السلميين نهاية شهر رمضان الماضي.
الخضوع الكامل

ولعل أكثر ما يميز حميدتي أنه يمتلك جيشًا يخضع له بصورة عجيبة، كما كان الجيش الفرنسي يخضع لنابليون، وكلاهما جاء بعد ثورة، ويؤمنان بالقوة والمجد، بدلالة أن نابليون حين دخل روما قال له المستشارون إن البابا غاضب، فرد عليهم بسؤال: “كم مدفعًا يملك هذا البابا؟”.

ورغم أن طموحات حميدتي لا تحدها حدود، فلا أحد يعرف بالضبط من يفكر له، خصوصاً وأن الرئيس السابق عمر البشير كان قد تباهى بتلك القوة التي شاركت في إسقاطه، قائلاً “من ﺃﺣﺐ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭﺍﺕ ﻭ أﻓﻀﻠﻬﺎ ﻟﺪي ﻫﻮ ﻗﺮﺍﺭ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﻗﻮﺍﺕ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﺴﺮﻳﻊ”. التي وصفها في العام 2017 بأنها اﻟﺬﺭﺍﻉ ﺍﻟﻘﻮية ﻟﻠﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ.

بعد أن تولى حميدتي قيادة قوات الدعم السريع وترقى في الرتب العسكرية، سيطر أيضاً على مناجم الذهب في دارفور، وعلى العائد المادي من مشاركة جنوده في حرب اليمن، وباتت قواته كذلك من خلال هوس الاتحاد الأوربي بمنع تدفق المهاجرين الأفارقة عليهم، تحظى بدعم المجتمع الدولي، كما أن سحب الدعم السريع من حرب اليمن، سوف يجعلها القوة الضاربة، والأكثر جاهزية لحماية تطلعات قائدها بالداخل، كأقل دأب لحرص حميدتي على لعب دور بارز في قيادة السودان اليوم أو غداً.
حميدتي القائد الطموح

جاءت الثورة السودانية المجيدة، وقد اختار الرجل الانتقال من خانة تأييد للبشير إلى تبني التغيير، وبدا زاهداً في لعب دور سياسي ساعتها، كما أن القوى المعارضة طلبت منه حمايتها مما يعرف بكتائب الظل، أو قوات الاسلاميين، بظن أن الرجل يمكن أن يكون بمثابة العتبة لصعود قادة المعارضة للسلطة، فهو محض رافعة لنيل نبلاء السياسة ووجهاء المجتمع المدني ما يصبون له من وزارات ومناصب رفيعة، إذ يسهل استئجاره وتوظيفه كلاعب على رقعة الشطرنح للقضاء على الملك، ومن ثم التخلص منه كذلك، لتفاجأ بأن حميدتي كان أيضاً يلاعبهم، ويصبو إلى هدف بات هو الأقرب إليه دون الأخرين، حتى ولو أدى ذلك للتحالف مع حزب الأمة بقيادة الإمام الصادق المهدي زعيم الأنصار في خطوة لاحقة استعداداً للانتخابات، حسبما رشح من معلومات.


بواسطة : admin
 0  0  130
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 09:24 مساءً الجمعة 14 مايو 2021.