• ×

انطلاقة مفاوضات جوبا اليوم لاحلال السلام في السودان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السودانية:الخرطوم تطلُّ جولة المفاوضات السودانية من أجل السلام اليوم الثلاثاء من جوبا (حاضرة دولة جنوب السودان)، وسط زخمٍ إضافي لعملية المفاوضات باعتبار أنَّ السلام أحد أهم ملفات الفترة الانتقالية، فإنَّ التئامها يجيء عبر مساري تمنيَّات إشاعة السلام ورجاءات التمديد.

غرس الاستعمار البريطاني في السودان الروح الثائرة نحو الانعتاق، حتى ترسَّخت في خريطة اللاوعي الشعبي، وتواصلت بعد الاستقلال كرفضٍ للتفرقة بين الشماليين والجنوبيين إلى انفصال الجنوب عام 2011، ثم تواصلت بشكلٍ أسرع تعزف على الوتر القبلي والإثني ومستنقعه الذي غرقت فيه دارفور وتبعتها منطقتا جبال النوبة والنيل الأزرق، وكاد الشرق أن يكون على ذات المنوال نتيجةً للضيمِ السياسي والاقتصادي، حيث خرجت من هذه الأقاليم حركات تمردٍ لم تكتفِ بالقتال في مواقعها فحسب، إنَّما شرعت في التحرُّك نحو المركز الذي رأته بؤرة الحيف والتهميش الواقع على أهالي المناطق البعيدة.

تتدافع هذه المشكلات والصراعات الضاربة في عمق التاريخ السياسي السوداني لتفرز واقعاً جديداً، لم يستفد فيه السودان من تنوعه، إنَّما أصبح وبالاً عليه، فالنزاعات القبلية والإثنية كلها كانت لأسبابٍ تتعلَّق بحيازة الأراضي الزراعية أو الرعوية والتعدي عليها، كما أن هناك عوامل التهميش الاقتصادي وضعف الهياكل المؤسسية، وسياسات الإقصاء للآخر التي تبنَّتها النخبة السياسية في كلِّ العهود التي مرَّت على السودان، والإدارات التي تعاقبت على حكمه.

الأزمات

نشطت اشتباكات الحكومة السابقة مع قوات الجبهة الثورية، التي تضمّ ثلاث حركات مسلَّحة رئيسة بولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، كما تضم كبرى الحركات المسلحة في دارفور، كنتيجةٍ حتمية للفراغ السياسي والأمني الناجم عن عجزهما في الوصول إلى اتفاق، فكلما ابتدرت لائحة منه يرجع الطرفان إلى مربع الحرب الأول، ويعكس طول هذا الصراع الممتد بنسخته الجديدة إلى ما بعد انفصال الجنوب عام 2011 وتحويل مسرح الحرب من جنوب السودان، الذي ذهب إلى دولةٍ مستقلة، إلى مسرحٍ آخر هو الجنوب الجديد الذي أبت تصاريف السياسة إلَّا أن تجعله وريثاً شرعياً للحرب بأوزارها، وتمتد ساحة القتال غرباً لتشمل إقليم دارفور، الذي فشلت الجهود الدولية في إحلال السلام فيه.

وشهدت عقود حكومة الإنقاذ السابقة مواجهةً للقضاء على الحركات المسلّحة، والذي كان جرس إنذارٍ للجبهة الثورية، وعليه عُقدت عِدة اتفاقات دولية، أمنيةٌ في ظاهرها وعسكريةٌ في مخبرها، الاتفاق الأول كان مع دولة الجنوب، فمنذ انفصاله كان بند فكّ الارتباط بين حكومته والحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) هو العقبة الكأداء التي تقف عندها الحكومة السودانية مع بقية البنود للنكوص عن أي سبيلٍ لتنفيذ الاتفاقيات بين البلدين.

غير أنّ الأهم استراتيجياً في تلك الفترة هو تطوُّر وقع الأزمة على جنوب السودان، الذي قام بخطوةٍ مفاجئة للجميع وهي حلّ الحركة الشعبية في الجنوب، وهذه الخطوة هي نتيجة لاتفاقٍ تم بين الرئيس السوداني السابق عمر البشير ورئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت، إثر مطالبة الحكومة السودانية تحقيق شرط فك الارتباط بقطاع الشمال حتى يتم الاتفاق بين الطرفين، وكانت تلك هي الضربة الموجعة بالنسبة إلى قطاع الشمال ومهّدت إلى مواجهة الجبهة الثورية بمكونها الأساسي لتحدياتٍ جمَّة، أهمها أنّها أُحيطت بين مركزي ثقل العمليات العسكرية من دولتي السودان وجنوب السودان.

من هذا التسلسل تبرز استراتيجية تجزئة التفاوض التي جرى الاتفاق عليها عبر الوسطاء بعقد اتفاقيات سلامٍ منفردة، أدت كنتيجةٍ حتميةٍ إلى تجزئة الحلول والنتائج، خصوصاً أنَّ هناك قضايا شائكة أمام أطراف التفاوض كان الاعتماد فيها على الدعم المتواصل للآلية الأفريقية رفيعة المستوى والمجتمع الدولي، والقوى السياسية السودانية والدخول في مفاوضاتٍ جزئيةٍ لوقف الحرب الأهلية في جنوب السودان، ثم الأزمة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وكان الأجدى أن تتحول منابر المفاوضات المختلفة من قِبل الوساطات العربية والأفريقية إلى منابر للتفاوض حول قيام عملية سلامٍ شامل من دون إقصاءٍ لأيّ طرف على حساب الآخر، ومن دون بذل ترضياتٍ واستقطاب حركات على حساب أخرى، مهما اختلفت الرؤى في الوصول إلى حلول شاملة.

إنّ الاتجاه العام الذي استحوذ على رؤية المفاوضات يؤكد أنَّ تجزئة التفاوض هي التي كانت تقود إلى ارتفاع سقف المظالم والشكاوى من مشاكل التهميش، وهو ما يؤجِّج فتيل الصراع والحرب التي كلما أُطفئت شعلتها استولدت ألف شعلة، وتستمر وفقاً لذلك دوامة المفاوضات اللانهائية وتصدير حالة الصراع وعدم الاستقرار إلى مناطق أخرى لتتسع رقعة الاحتراب، ويعيش سكان هذه المناطق في دوراتٍ متصلة بين الحرب واللاحرب.

نماذج التصعيد

إنّ التصعيد الذي حدث هو نتيجة زيادة التوتر داخل النزاع الموجود أصلاً، فالنزاع نتج عن رغباتٍ متضاربة في تحقيق كل طرف لما يريده، ولكن هذه الرغبات تجاوزت الوسائل السلمية المتمثلة في التفاوض لتتطور إلى تدمير الخصم، ومهما كانت الرغبة في التصعيد فإنّها لا تبرر الزحف المُسلَّح الذي تحرسه المفاوضات.

يُعدُّ التصعيد الذي لازم مفاوضات السلام السودانية أحد نماذج التصعيد الذي حصره فريدريش جلاسل الباحث في شؤون النزاعات، والذي قال قولته الشهيرة إنَّ “الطريق إلى التصعيد مرصوفةٌ بفشل محاولات إصلاح ذات البين، في تسعة مستويات، وهذه المستويات هي التصلُّب في المواقف، والنقاش والجدل العنيف، والأفعال بدلاً عن الكلمات، والتحالفات، والإهانة وإلحاق الخزي، واستراتيجية التهديدات، والضربات التخريبية المحدودة، وتشتيت الخصم، ثم أخيراً مستوى معاً نحو الهاوية”، وهذا المستوى الأخير تصل فيه الأطراف إلى مرحلة المواجهة الشاملة، حيث لا أمل في العودة إلى الخلف، بحيث يصبح تدمير الذات مقبولاً إذا كان ثمنه تدمير الخصم.

صحيح أنَّ فرص التوصل إلى سلامٍ شامل في البلاد أصبحت كبيرة بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، ولكن صفحة الحرب التي فرشها النظام السابق بدماء أبناء هذا الشعب، قد تحول دون أن يكون أجل ذلك قريباً، ومن تجارب المفاوضات السابقة، فإنّه يُتوقَّع أن تماطل الحركات المُسلَّحة في إطالة أمد المفاوضات، كسباً للوقت لتحقيق مصالح آنية وبعيدة، وإن لم يتحقّق ذلك مع حكومةٍ لم تخبر طريقة التفاوض معها، فستنتظر إلى أن يتم التواضع على فرصة عقدها مع العسكر ولو بشكلٍ جزئي لترجع مرةً أخرى للكرِّ والفرّ، لأنَّ هذه الحكومة الانتقالية من المرونة بمكان بحيث يمكن أن تقدّم الكثير من التنازلات في سبيل إحلال السلام، الذي إن تحقَّق فستذوب هذه الحركات المُسلَّحة من دون ذِكر، وبالنظر إلى تعقيدات السياسة السودانية، فإنَّه لا تزال هناك فرصة للمفاجآت، قد تكون أعنف من تأزُّم العلاقة بين الحكومة والحركات المُسلَّحة، وأعمق غوراً من علاقات السودان المضطربة بين تكويناته السياسية.


منى عبد الفتاح

جريدة اندبندنت البريطانية


بواسطة : admin
 0  0  519
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 07:24 صباحًا السبت 8 أغسطس 2020.