• ×

قبائل الثورة..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السودانية / الخرطوم / يحتار الأوربيون كثيرا حين يتعاملون مع الصينيين في شتى مجالات الأعمال، خاصة وأن الصين تدخل اصابعها في الكثير من القطاعات الحيوية في أوربا. مبعث الحيرة أن لكل طريقته في النظرة للتعاون المشترك ولكل توقعاته. حين يضرب الأوربي موعدا لتوقيع عقد مع رجل أعمال صيني يتوقع أن يفي الأخير بوعده بالظهور في الزمان والمكان المحددين. ولكن الصيني قد يأتي متأخرا أو يخلف الميعاد كليا لأنه مشغول مع زبون آخر يستحق كامل العناية والاهتمام قبل الهرولة لموعد آخر.

الأوربي يتعامل مع الأمور بنقطة الانطلاق ونقطة انجاز المهمة أو الهدف ويبني جدول مواعيده على هذا الأساس. اليوم توقيع العقد باكر الاجتماع بمجلس الإدارة..

الصيني يتعامل مع مهمته كالجالس على ساحل البحر بغرض التقاط شيء ستقذف به الأمواج، وإن جرفته قبل الالتقاط ينتظره بصبر عسى أن تأتي به موجة ما مرة أخرى. المواعيد يمكن انتظارها والأهداف يمكن تحقيقها إن لم يكن اليوم ففي صباح الغد أو بعده.

بصدد ثورتنا السودانية يركز البعض بشكل عصابي على نهاية الوضع الحالي بسقوط النظام وتحقق الهدف النهائي. ولكن إن أردنا التعامل مع قضايا الثورة الآنية والآجلة بالطريقة الصينية، يجب علينا أن نوقن أن الثورة منتصرة إن لم يكن اليوم ففي الغد أو بعده.

تخيلوا أننا بصدد بناء قطية من القش وأن هدفنا انجاز المهمة في يوم واحد. بعضهم يشرع مباشرة في عملية البناء والانشغال بمختلف المهام الفرعية. البعض الآخر يعتني بالتحضيرات الصغيرة أولا: تجهيز ربط القش الصغيرة لمناولتها للشخص الذي يتولى البناء لاحقا. ترطيب اللحاء الذي يستخدم في الربط. عجم العيدان وقياس اطوالها وتحريرها من الزوائد...

المراقب غير الصبور للأمر، يحس بأن مثل هذه المهام انصرافية جدا ولا تمثل العمل الحقيقي، وأن النهار يوشك أن ينتهي بدون انجاز شيء ملموس.. ولكن حين يبدأ العمل في الربع الأخير من اليوم يسير بسرعة البرق وتنجز المهمة بسرعة غير متوقعة في اللحظات الأخيرة وذلك بفضل التجهيزات الأولية التي أخذت كل الوقت الطويل.

اذا تأملنا الأمر بهذه الطريقة سنرى أن الثورة تسير على أحسن ما يكون، وأن الكثير من الضوضاء الجانبية الحادثة الآن هي من قبيل التجهيزات لبناء قطية القش وهو أمر يجب ألا ننزعج منه، أو يكون موضع لحكم قيمة ما باعتباره سيء أو حسن.

يشير كاتب الرأي الهولندي "ماكسيم فبرواري " في عمود له في صحيفة "أن آر سي هاندلسبلاد" إلى مقولة عالم النفس "Jonathan Haidt" أن علم النفس معجون بالأيديولوجيا والناس يختلفون بناء على هذا الأساس في حاجاتهم وحاستهم الأخلاقية. البعض يجد حاجته وأمانه في روح الجماعة ومستعد للتضحية بأي شيء آخر من أجلها. والبعض ينزع للفردية والبحث عن الأمان في مؤسسات أخرى غير الجمع المترهل الكبير غير محدد الملامح. تلاقي هذه المجموعات في الفضاء العام يؤدي لحدوث اشكال، والاشكالات أمر عادي في المجتمعات التي تنظم صراعاتها على أساس ديمقراطي.

اذا تأملنا الجدل الدائر حول من له الأحقية في المشاركة في الثورة نرى هذا الاشكال بوضوح بين مجموعتين. مجموعة تهتم بالعدد والكثرة في الإحساس بالأمان وفي قياس نجاح الفعل الثوري. ومجموعة أخرى تعتني بعملية "الفرز" كأداة أساسية في التعرف على الصراع وادارته. المسئولية تملي علينا في هذا الظرف أن يظل هذا الاشكال في مستواه السايكولوجي، لأن عدم إحسان إدارته، أو اطلاق العنان للعواطف والانفعالات سينقله لمستوى الـ "سايكوباثولوجي" وهو مستوى يكون فيه تفجر العنف أمرا واردا وطبيعيا وقد يتطور العنف في أقصى مراحله إلى وضعية واحد ضد الجميع. نجاح الثورة وبناء مجتمع المساواة والحقوق مسئولية ثقيلة الوزن يجب ألا نجعلها تخضع لأهواء الأشخاص والجماعات التي تستسهل الأمور، خفة اصدار الأحكام مؤذية وغالية الثمن.


بواسطة : admin
 0  0  689
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 09:56 صباحًا الإثنين 21 أكتوبر 2019.