• ×

الفنان عبد العزيز المبارك :لم أعتزل ولكني مكتئب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السودانية لم أعتزل الغناء ولكني مصاب بحالة اكتئاب (حاد)
السياسة حاربت نجوميتي وأعطت مساحة لأصوات مرفوضة

فوضى الساحة سببها (المغنواتية) والتقليد عنوانهم الأبرز
الدولة ركزت على المعادن والبترول وهمشت الأدب والفن
الفضائيات ضيعت هيبة الفن السوداني وذبحت الجمهور

مطربو البرامج منبهرين بالتلفاز ويأتون مجاناً دون شروط
ابتعاد الفنانين الكبار عن الساحة سببه حالة (إحباط وكآبة)
جئنا (بالريقي والسامبا) خوفاً من الأغنيات ذات المقدمات الطويلة

هويتنا الموسيقية أفريقية والعرب بعيدين عنا
السودان كان ممكن أن يصبح من الدول المتقدمة بفنه ولكن (ضاعت الفرصة)
غنانا ماشي للمجهول والتقليد (عار) في زمننا

من منا لا يعرف عبد العزيز المبارك ومن منا لم يرقص ويطرب على أنغام (بتقولي لا) بلا شك هو صاحب صولات وجولات في سجل تاريخ الغناء السوداني بما قدمة من أغنيات خالدة في وجدان المستمعين على أوتاره وحلياته انتشى الجمهور حد الثمالة بأغنياته.. اليوم يعاني على حد قوله من حالة اكتئاب حادة سببها الراهن من واقع ساحة الغناء وأسباب أخرى تتابعونها عبر مضابط هذا اللقاء..

في زمن تسيد الأغنيات ذات المقدمات الطويلة كان ظهوركم (بالريقي والسامبا) ماذا عنيتم بهذا التحول؟
هذا النمط الموسيقي كان موجوداً قبل ظهورنا وقد تغنى به كثير من رواد تلك المرحلة، الاختلاف كان في المفردة والألحان أسميناه الغناء الخفيف كانت فكرتنا من وراء هذا التحول أن نخرج من دائرة المألوف أو المطروح في الساحة..

جاء ذلك في زمن كانت الأغنيات ذات المقدمات الطويلة هي الرائجة كنا متخوفين آنذاك من نوعية تلك الأغنيات بإمكانك أن تقول إنها كانت مجازفة لأكثر من سبب منها أن أذان المستمع تعودت على طريقة وصورة محددة للأغنيات وحدث ارتباط وجداني من قبل الجماهير زيادة على ذلك أنه كان من الصعب علينا التغني بنفس الأسلوب لذا استحدثنا فكرة الأغنيات الراقصة ذات الطابع الخفيف وراعينا جاذبية هذا النوع للمحافظة على المكانة السامية التي كانت تتمتع بها ساحات الغناء..

ذكرت في حديثك أنها كانت (مجازفة) لم لا نقول إنها (بدعة فنية) بتحويلكم لعاطفة الجمهور من الاستماع على الكرسي إلى الرقص في ساحة الغناء؟
الجمهور تحول من تلقاء نفسه من الاستماع الى الرقص وهذا ما شجعنا أكثر للسير في هذا الدرب والتحول كان محتملاً وهذا ليس ببدعة، (فالاحتمال يزيل البدع).
وشكل الأغنيات كان طويلاً لذا من الطبيعي أن يستمع الجمهور من على الكرسي، نحن جئنا بأغنيات راقصة ذات طابع بسيط من حيث المفردة وطبيعة اللحن وهذا يستدعي تفاعل الجمهور بالرقص.. وكنا سعداء بهذا لأن رقص الجمهور هو (مود) وإيقاع الفنان.
كنت مسيطراً على المسارح الفنية والحفلات الجماهيرية من مطلع الثمانينيات حتى نهايتها الا أن نجمك أفل دون سابق إنذار ما السبب؟
السياسة لها دور كبير في أفول نجمي فقد أعطت مساحة الظهور لأصوات أقل عطاءً منا ولا دراية لهم بالفن أو حتى قضاياه، وللأسف الشديد لم يقدموا شيئاً ولم يتقبلهم الجمهور وسلبية الظهور لمن لا يستحق ما زالت موجودة حتى الآن وهي السبب في الذي يحدث الآن من فوضى.

وكيف نوقف هذه الفوضى؟
لا أظن أن الوضع يدوم كثيراً لأن عدد أنصاف المواهب من (المغنواتية) زاد عن الحد لدرجة يصعب فيها حفظ أسمائهم دعك عن غنائهم فهم متشابهين (رجالاً ونساءً) في التقليد حتى على مستوى الأغنيات المقلدة هم يقلدونها.

ألا ترى فيهم أي تجربة تستحق الوقوف عندها؟
للحقيقة، كل الأصوات الآن تزيد من معاناتي وإحباطي.
ألا تعتقد أن هناك (أيادٍ خفية) مستفيدة من هذا التدهور الفني؟
أنا بحمل المسؤولية للفضائيات وأتهمها باستسهال وتدني الفن السوداني وذلك بفتح منابرها لأصوات ذبحت وجدان الجمهور وبدلاً من محاكمتهم تم تحفيزهم بالظهور المتواصل في كل البرامج وما يدعو للحيرة أنه بالرغم من كثرة القنوات والمحطات الا أنها فارغة تماماً ولا تحتوي على أي مادة جادة أو جاذبة.

قولك هذا يشير الى أن هناك خطة مدروسة لتوجيه الفضائيات الغرض منها هدف ما؟
لا أظن هذه القنوات أصغر من أن تكون لها أجندة بعيدة المدى، ولكن يمكن نقول إنها استغلت (أنصاف المواهب) لأنهم غير موهوبين أو جادين صادف ظهورهم مساحات فارغة فملأت بهم تلك الفراغات.

ولماذا ارتضوا لأنفسهم أن تسد بهم مساحة فارغة غير جادة؟
لأنهم (منبهرين) بالظهور على التلفاز يأتون مجاناً لهذه القنوات دون شروط حتى فرقهم الموسيقية يدفعون لها من حر مالهم وهذا ما سعت له العديد من فضائيات هذا الزمان!

هذا (مأزق) كيف يكون الخروج منه؟
الحل يقف وراء إيقاف مجانية الغناء ووضع حد من قبل المستمعين والفنانين الكبار لإيقاف استغلال هذه القنوات. فقد ضيعت هذه الفضائيات هيبة الفن السوداني بالتركيز على أصوات لا تربطها صلة لا بالفن وحتى الفنانين وتسبب ظهورهم في موجة انتشار الغناء الهابط والخادش والاتهام يطول هذه الأصوات والفضائيات لداء (الاستياء) الذي أصاب المستمع.

إذا لم نعتمد هذا المبرر، هل نسمي غيابك عن الساحة اعتزالاً؟
أصابتني حالة من (الاكتئاب) الحاد من الوضع الذي أراه الآن في الساحة فالمسرح الغنائي متدنٍ ومجرد الظهور يخصم من قيمة ما قدمناه فالساحة ترقد بالعناية المكثفة والجمهور يحتاج الى تأهيل نفسي.

حديثك أصابني أيضاً بالاكتئاب، ولكن لم تجاوب عن سؤالي وهو هل غيابك عن الساحة يعد اعتزالاً؟
قد أوضحت لك أنني مستاء جداً يمكن أن تزول هذه الحالة النفسية ويمكن ألا تزول وإذا افترضنا أن لدي غناء جديد (أقدمو وين وأقدمو لمنو)؟!!
تغنيت من قبل بعدد من الأغنيات الإثيوبية هل ضاق باع النص واللحن السوداني؟
قصدت من هذا التنوع التبادل الأدبي والفني وفتح جسور للتواصل الإبداعي بيننا وبينهم فالشعب الإثيوبي محب للفن السوداني وما نقدمه يجد أذناً محبة وصاغية عندهم فهم معجبين بمنتوجنا والدليل على ذلك تغنيهم بالكثير من أعمالنا الفنية في مناسبتهم المحافل العامة والخاصة.

هل لديك قصة محددة وقفت وراء تغنيك بالإثيوبية؟
حكايتي مع الأغنية الإثيوبية بدأت بالصدفة فقد سمعت شريط كاسيت لفنان إثيوبي أعجبني جداً حتى حفظته عن ظهر قلب عرفت طريقة نطق الكلمات من إثيوبي وغنيت بها لم أتوقع حينها أن تجد المحاولة الانتشار لكنها أدهشتني فقد استقبلها جمهوري بحفاوة كبيرة.

ما نوع السلم الموسيقي الذي يتغنى به المطربون الإثيوبيون؟
نفس السلم الخماسي الذي نتغنى به فهو سلم عالمي تتغنى به العديد من الدول الأفريقية والآسيوية صادفة جمعتني من قبل بفنان ياباني شهير باليابان يتغنى بنفس لحن أغنيتي (صبرنا كتيراً).

ردك يطرح سؤالاً آخر عن هويتنا الموسيقية هل هي أقرب للأفريقية أم العربية؟
هويتنا الموسيقية بعيدة تماماً عن العرب تنتمي بشكل كامل للإيقاع الأفريقي لحناً وأداءً، فالمقامات العربية غير مألوفة لنا (ربع تون) وحتى أذاننا لا تألفها بالمقابل تجد أغنيتنا منتشرة تماماً في البلدان الأفريقية.

ولكن معظم الشعوب الأفريقية لا تنطق أو تفهم العربية؟
نعم هم لا ينطقون العربية أو يفهمونها جيداً لكنهم يألفون اللحن ويتفاعلون معه بحماس.

ماذا تقصد بتآلف اللحن؟
كان الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب يقول وأنا أدير مؤشر الراديو أعرف إنني في السودان من الألحان والأغنيات عكس الدول الأخرى لا أعرفها.

طالما أننا مميزون لحناً ومفردة حسب قولك لماذا ضاق علينا وعاء العالمية؟
إخفاقنا ليس في منتوجنا الغنائي فالأغنية السودانية عالية المضمون والطرب لكن العيب في الوسائط والسبل التي تؤدي الى درب العالمية.
هذا ليس مبرراً بشكل واضح أنتم فشلتم في توصيل

فننا للخارج؟
عن نفسي من قبل صدر لي كاسيت في لندن وجدت أنهم يقيمون به الديسكوهات في ألمانيا حتى أغنياته يقومون بإذاعتها ويرقصون على كلماتها وألحانها وشاركت في أروبا عبر مهرجانات كانت معنية بالفنون غير الأروبية هذا ردي بشكل شخصي على السؤال.

هل يعني ذلك أن للدولة يد في عدم خروج الأغنية السودانية الى الخارج؟
بلا شك كانت أمامنا فرصة لأن يكون السودان من الدول المتقدمة بفنها وموسيقاها ولكن للأسف ضاعت الفرصة بتركيز الدولة على البترول والمعادن وتجاهلت الفن والإبداع.

أنت تقول ضاعت الفرصة كيف ذلك؟
هذا الجيل غير مسؤول وغير جاد فهو غير قادر على تقديم نفسه للجمهور دعك من تقديم فننا لجمهور آخر
بصفتك فنان محترف وصاحب تجربة ما المستوى الذي تقف عنده الأغنية الآن؟
مستوى النص الآن غير لائق وغنانا (ماشي للمجهول) لم يخطر ببالي ذات يوم أن يصل الى هذا المستوى المحرج، فقد كثر التقليد والتشويه في زماننا كان من أكبر العيوب أن تغني لفنان آخر هذا (عار).

موجة التقليد ما السبب فيها؟
سببها استسهال واستغلال لما تتمتع به الأغنية القديمة من قبول فهؤلاء الشباب يستعطفون الجمهور بأغنيات موجودة في خاطرهم ووجدانهم، زمان إذا ما حسيت اللحن والكلمة من المستحيل أن تتغنى بالعمل لكن (أسي أي زول ما لقى شغلة يقول أحسن أبقى فنان لحدي ما تفرج).

بالواضح كده الغنا بفتح بيت ويربي أولاد ويعيش أسر عيشة كريمة؟
زمان ما كان بعمل الحاجات دي لكن أسي بعيش أولاد وبفتح بيوت وبشتري عربات كمان.

والاختلاف في شنو؟
الاختلاف أنو تفكير الفنان كان منصباً في تقديم عمل فني يرضي الجمهور ويحقق له رغباته في الاستماع ودا أحسن ليهو من ملايين الدولارات لكن في الوقت الراهن رضا الجمهور آخر اهتمامات الفنان.

مظهر الفنان كان من الأساسيات التي لا تحتمل التنازل فما رأيك في هندام فنان اليوم؟
الفنان قدوة في كل شيء قدوة في سلوكه، قدوة في تعاملاته، قدوة في هندامه لكن مظهر مطربي اليوم (غير لائق).

زمان أحمد المصطفى كان بقول لينا مجرد ما فتحت الستارة والجمهور شافك عندك 50% تاني إذا غنيت أقل عمل وجد القبول فهذا يعني نجاحاً.
من بوابة الخروج؟
لم أجد الدعم طيلة فترة مرضي ولكني لم أكن أتوقع
ابتعاد الفنانين الكبار عن الساحة سببه حالة (إحباط وكآبة).

حوار: علي أبوعركي
صحيفة الجريدة


بواسطة : admin
 0  0  1024
التعليقات ( 0 )