• ×

عثمان ميرغني يكتب : من سرق ..ماذا ؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السودانية الأسبوع الماضي ثارت ضجة أثيرية طافحة.. انشغل الناس بحادثة سرقة سيارة فارهة لشيخ إمام مسجد معروف، هو الشيخ الزين.. ودارت معركة (هوائية) حامية بين حملة رايات الاتهام وحاملي دروع الدفاع.. هل من حر ماله أم حرام مال غيره..فامتلاك سيارة دفع رباعي فارهة هي من صميم الوسم الذي يحدد فصيلة المواطن الطبقية الاقتصادية..

البعض رأى أنها مجرد سجل جديد في ملف الثراء المشبوه والحرام المتخم بالرموز من كل المنابع.. والجانب المناصر للشيخ ساقوا الحجج التي (تفسر) مصدر المال وآخرون ..رأوا دحض مبدأ النظرة الاتهامية الاستباقية لكل صاحب نعمة مشهودة.

في تقديري؛ أن الفراغ الخطير الذي تكابده الدولة السودانية لا ينفك ينحدر كل يوم إلى هاوية أعمق، الأزمة السياسية الكالحة لم تجمد النشاط السياسي والاقتصادي فحسب، بل حتى اهتمامات الناس.. نحن نعيش في بلاد ليس في أجندتها موعد مضروب لإفراج أو إنجاز أو تحدي أو طموح.. حياة أصبحت مجرد يوميات بائسة خالية من العمل والأمل، يكفي أن نلقي نظرة على حالة الانغماس الذهني المذلة لقرابة ثلاثة أسابيع في (موسم عيد الأضحية). غياب كامل للوعي إلا في اجترار نكات أو مشاهد أو توهان في أنس اجتماعي كبير، فارغ المضمون..

في مثل هذه الأجواء تصبح سيارة مقرئ حدثاً يحتل صدارة الاهتمام الجماهيري وتقوم على جانبيه المعارك.. أشبه بحالة الجماعة الذين ضرب بهم المك نمر المثل فوصفهم أنهم (في شنو والنَّاس في شنو).. كل العالم والشعوب تلهث لتحقيق أحلامها وغاياتها الكبيرة، وهي مشغولة حتى النخاع بموجبات نهضتها إلا نحن في السودان.. نكابد غيبوبة معدمة الخيال والاحترام.. بالكاد خرجنا من أوهام خطف الناس في الشوارع لاستخدامهم قطع غيار بشرية..

قبل سيارة شيخ الزين كان (كلب موظف بنك السودان) وقبله .. وقبله.. وقبله .. وقبله كان (أبوالقنفد). و(المكوك) وقبلها (حكاية رقم الهاتف الذي يخر صريعاً من يرد عليه) ..راجعوا يوميات الشهور الماضية كلها تتشابه في فراغها وتفاهة اهتماماتها .. لكنها تعكس حالة بلد كبير في مساحته، صغير في اهتماماته وطموحاته.. بلد (ممحوق) بمعنى الكلمة.

بالله عليكم؛ متى نخرج من نفق عطالة الذهن والأمل والعمل هذه؟ الحكومة هي المستفيد الأول من (تعليب) الشعب السوداني، لأنها تؤمن أن الغيبوبة تطيل أعمار الأنظمة السياسية حتى ولو دمرت البلاد والشعب.. أشبه بمن يبيع المخدرات، فاستمرار جاهه رهين باستمرار غياب عقل من يشتريها..

المسروق ليس سيارة (برادو)..المسروق هو عقل شعب ومستقبل وطن!!


بواسطة : admin
 0  0  422
التعليقات ( 0 )